السيد هاشم البحراني

423

البرهان في تفسير القرآن

والتميرات ، وهو الضحوك القتال ، في عينيه الحمرة ، وبين كتفيه خاتم النبوة ، يضع سيفه على عاتقه ، لا يبالي من لاقى ، يبلغ سلطانه منقطع الخف والحافر ، فإن كان هذا هو فلا يهولنه هؤلاء وجمعهم ، ولو ناوأته هذه الجبال الرواسي لغلبها . فقال حيي : ليس هذا ذاك ، ذاك النبي من بني إسرائيل ، وهذا من العرب ، من ولد إسماعيل ، ولا يكون بنو إسرائيل أتباعا لولد إسماعيل أبدا ، لأن الله قد فضلهم على الناس جميعا ، وجعل فيهم النبوة والملك ، وقد عهد إلينا موسى ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار ، وليس مع محمد آية ، وإنما جمعهم جمعا ، وسحرهم . ويريد أن يغلبهم بذلك ، فلم يزل يقلبهم عن رأيهم حتى أجابوه ، فقال لهم : أخرجوا الكتاب الذي بينكم وبين محمد . فأخرجوه ، فأخذه حيي بن أخطب ومزقه ، وقال : قد وقع الأمر ، فتجهزوا وتهيأوا للقتال . وبلغ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ذلك ، فغمه غما شديدا . وفزع أصحابه ، فقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) لسعد ابن معاذ ، وأسيد بن حضير ، وكانا من الأوس ، وكانت بنو قريظة حلفاء الأوس ، فقال لهما : « ائتيا بني قريظة ، فانظرا ما صنعوا ، فإن كانوا نقضوا العهد ، فلا تعلما أحدا إذا رجعتما إلي ، وقولا : عضل والقارة » . فجاء سعد بن معاذ ، وأسيد بن حضير إلى باب الحصن ، فأشرف عليهما كعب من الحصن ، فشتم سعدا ، وشتم رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، فقال له سعد : إنما أنت ثعلب في جحر ، لتولين قريش ، وليحاصرنك رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، ولينزلنك على الصغر والقماءة « 1 » ، وليضربن عنقك ، ثم رجعا إلى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، فقالا له : عضل والقارة . فقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : « لعنا ، نحن أمرناهم بذلك » وذلك أنه كان على عهد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) عيون لقريش يتجسسون خبره ، وكانت عضل والقارة قبيلتان من العرب ، دخلتا في الإسلام ، ثم غدرتا ، فكان إذا غدر أحد ضرب بهما المثل ، فيقال : عضل والقارة . ورجع حيي بن أخطب إلى أبي سفيان وقريش ، وأخبرهم بنقض بني قريظة العهد بينهم وبين رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، ففرحت قريش بذلك . فلما كان في جوف الليل جاء نعيم بن مسعود الأشجعي إلى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، وقد كان أسلم قبل قدوم قريش بثلاثة أيام ، فقال : يا رسول الله ، قد آمنت بالله ، وصدقتك ، وكتمت إيماني عن الكفرة ، فإن أمرتني أن آتيك بنفسي فأنصرك فعلت ، وإن أمرتني أن اخذل بين اليهود وقريش فعلت ، حتى لا يخرجوا من حصنهم . فقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : « خذل بين اليهود وقريش ، فإنه أوقع عندي » . قال : أفتأذن لي أن أقول فيك ما أريد ؟ قال : « قل ما بدا لك » . فجاء إلى أبي سفيان ، فقال له : تعرف مودتي لكم ، ونصحي ، ومحبتي أن ينصركم الله على عدوكم ، وقد بلغني أن محمدا قد وافق اليهود أن يدخلوا بين عسكركم ، ويميلوا عليكم ، ووعدهم إذا فعلوا ذلك أن يرد عليهم جناحهم الذي قطعه : بني النضير ، وقينقاع ، فلا أرى أن تدعوهم يدخلوا عسكركم حتى تأخذوا منهم رهنا تبعثونهم إلى مكة ، فتأمنوا مكرهم وغدرهم . فقال له أبو سفيان : وفقك الله ، وأحسن جزاك ، مثلك أهدى النصائح .

--> ( 1 ) الصغر : الذل والضيم . « أقرب الموارد - صغر - 1 : 649 » . وقمأ الرّجل قماءة : ذلّ وصغر . « لسان العرب - قمأ - 1 : 134 » .